من شغف الطفولة إلى الأمن السيبراني: رحلتي من الفضول إلى الفهم العميق

image

المرحلة الابتدائية: الفضول التقني قبل المعرفة

منذ صغري، وبالتحديد في المرحلة الابتدائية، كنت شغوفًا جدًا بالتقنية، رغم أني لم أكن أفهم التفاصيل التقنية أو أجد مصادر أتعلم منها. كانت تجذبني الأجهزة الإلكترونية بكل أشكالها، وكنت أفكك الألعاب التي تصلني فقط لأرى ما بداخلها. ما كنت أفهم كثير، لكني لاحظت تكرار وجود لوحات خضراء عليها أجزاء كثيرة. استنتجت ببساطة أن هذه الأجزاء “هي اللي تخلي الجهاز يشتغل” حتى لو ما عرفت وش تسوي بالضبط.

أكثر ما شدني وقتها هو أني أقدر أربط بين شكل القطعة ومكانها في الجهاز، وأخمن إذا كانت هي السبب في العطل. كنت أتعامل مع التقنية بعقلية فنية وتحليلية، بدون تعليم، وبدون حتى وعي إن هذا ممكن يكون مجال مستقبلي.

كنت أيضًا أستخدم جهاز والدتي بعد انتهائها من العمل عليه. ما كنت أدخل الإنترنت كثير، كنت أفتح النظام نفسه، أتنقل في القوائم، وأسأل نفسي: ليش فيه خيار يخلي الشاشة تنقلب رأسًا على عقب؟ مين ممكن يحتاج شي زي كذا؟ كنت أتعامل مع النظام مثل بيئة أكتشفها، حتى لو ما كان عندي أي مرجع.

المرحلة المتوسطة: بداية التجربة والفهم الضمني

مع دخولي المرحلة المتوسطة، تطور فضولي أكثر. بدأت ألعب ألعاب على جهاز بسيط جدًا (1GB RAM – Toshiba)، وكان الأداء سيء جدًا. أوقات كثيرة الجهاز يعلق، لكن الماوس يستمر يتحرك. هذا الموقف خلاني أبدأ أفكر: ليش الماوس يشتغل والباقي لا؟ ليه المعالج يقدر يعالج حركته بشكل منفصل؟ كنت أستنتج إن فيه أولويات أو مسارات مختلفة داخل النظام، رغم أني ما كنت أعرف عن المفاهيم مثل Multithreading أو Process Scheduling.

خلال هالمرحلة، تعرفت على نظام Linux عن طريق أحد أقربائي، وبدأت أجربه. أول توزيعة استخدمتها كانت Ubuntu، وبعدها بدأت أتنقل بين توزيعات ثانية، مثل Debian، لأني كنت أبي أفهم: إذا كلها Linux، ليه فيه فرق؟ وش اللي يميز كل وحدة؟ وش معنى kernel أصلاً؟
كان هدفي أبني نظام خاص فيني — سواء Android أو Linux — لكن ما كانت عندي خبرة تقنية كافية، فكنت أتعلم بالتجربة والخطأ، وكل محاولة كانت تزيد فضولي، حتى لو ما نجحت فيها.

كنت أيضًا أعدل على أجهزة Android الخاصة فيني: أسوي root، أغير واجهات، وأعدل على النظام نفسه. بعض التعديلات كانت سطحية، وبعضها دخلني في عمق ملفات النظام. كنت أتعامل مع النظام وكأنه مشروع شخصي، حتى قبل ما أفهم البنية الكاملة له.

المرحلة الثانوية: الهندسة العكسية بالفطرة

في المرحلة الثانوية، كنت أمارس مفهوم الهندسة العكسية حتى قبل ما أتعلم الاسم. كنت فاهم إن “Reverse Engineering” تعني عكس الشيء عشان أفهم كيف يشتغل — وهذا بالضبط اللي كنت أسويه.

كنت أقدر أعدل على خصائص البرامج، أغير أيقونات، أخفي ملفات، وأتفادى بعض أنظمة الحماية بأساليب بسيطة بعد بحث كثير. كنت أستخدم أدوات متاحة للجميع، وأدوات مفتوحة المصدر من GitHub، وأجرب. ما كنت أكتب كود، لكن كنت أعرف كيف أركّب الأشياء مع بعض، وأغيّر في النتائج حتى توصل للي أبيه.

وفي نفس المرحلة، تعرفت على جهاز Raspberry Pi، وكان أول إصدار أمتلكه هو Raspberry Pi 3. من هنا انفتح لي عالم جديد تمامًا. بدأت أستخدمه كجهاز Linux مصغّر، أجرب عليه توزيعات، وأركب عليه أدوات، وأفهم أكثر عن البنية العميقة للأنظمة. اعتبرته بيئة تدريبية مثالية، وعالم مصغّر أمارس فيه كل فضولي التقني.

الرياضيات والبرمجة: أول لغة للمنطق

image

أقرب شيء كان يرضي طريقة تفكيري هو الرياضيات. كنت أستمتع بالمسائل اللي فيها ترابط بين كل خطوة والثانية. إذا غيرت قيمة، أعرف إني لازم أغير كل المعادلة عشان تظل منطقية.
لكن رغم استمتاعي بالرياضيات، كنت أحس إن فيه شيء ناقص — كنت أبي أشتغل في بيئة تفاعلية أكثر، أقدر أغير فيها وأشوف النتيجة على طول.

هنا بدأت أفهم أن البرمجة هي الشيء اللي أدور عليه. كنت أعرف مفهوم البرمجة، وكنت أستخدم Visual Studio في الثانوية عشان أسوي واجهات بسيطة، لكن ما كتبت كود فعلي إلا لما دخلت الجامعة. ومع ذلك، كنت مستوعب إن البرمجة هي أداة لبناء الأنظمة وفهمها من الداخل.

الجامعة: البرمجة بمنهج علمي وتوسع التجربة العملية

مع دخولي الجامعة، بدأت أدرس البرمجة بشكل أكاديمي. لأول مرة، صرت أتعلم كيف أكتب كود صحيح، كيف أصمم حلول، وأبني خوارزميات لحل مشاكل. هنا كل الأشياء اللي كنت أسويها بالتجربة بدأت يكون لها أسماء، وبدأت تتكوّن في رأسي كطريقة تفكير منهجية.
اللي تعلمته ما كان مجرد syntax أو أوامر، بل كان طريقة تفكير مختلفة تمامًا، تعتمد على المنطق، التحليل، وفهم النظام كوحدة مترابطة.

كذلك بدأت أشارك في مسابقات البرمجة داخل الجامعة، ثم تطور الأمر وشاركت في مسابقات CTF (Capture The Flag)، والحمد لله حصلنا على المركز الثاني على مستوى جامعات المملكة، أنا والفريق، وذلك بفضل الممارسة المستمرة، والتدريب عبر منصات مثل TryHackMe و Hack The Box، اللي ساعدتني أطور مهاراتي في الأمن السيبراني والهجوم الأخلاقي.

في هذه المرحلة أيضًا رجعت لواحد من أقدم اهتماماتي: فهم القطع الإلكترونية. تعلمت برمجة Arduino وبدأت أصمم مشاريع بسيطة باستخدام الحساسات والمحركات، وبعضها كان متعلق بالروبوتات.
كما بدأت أستخدم طابعة 3D لصنع كفرات وأجزاء مخصصة للمشاريع، خصوصًا لأجهزة صغيرة مثل الـRaspberry Pi والـArduino. حسيت لأول مرة إني أقدر أصنع بيئة متكاملة بيدي، من البرمجة إلى الشكل الخارجي.

تعلم الأسيمبلي: القطعة المفقودة

نقطة التحول الكبرى كانت لما درست لغة Assembly. فجأة، كل التجارب اللي كنت أعيشها — من تعديل قيم الألعاب باستخدام Cheat Engine، إلى الملاحظات الغريبة في الجهاز — صار لها تفسير حقيقي.

فهمت إن القيم اللي كنت أغيرها كانت فعليًا مخزنة في الذاكرة (RAM)، وإن المعالج يتعامل معها من خلال عناوين ومسجلات. فهمت معنى الـMemory Address، والـRegisters، والفرق بين stack وheap. كل هذه المفاهيم كانت توضح لي بأثر رجعي وش كنت أسويه زمان بدون وعي، لكن الآن صارت مفهومة ومدروسة.

بعد الجامعة: أول مشروع PCB واختراق أجهزة

image

بعد التخرج، بدأت أتجه بشكل أعمق لمجال الأجهزة المضمنة واختبار الاختراق.
أنجزت أول مشروع PCB خاص فيني، وكان مشروع مميز متعلق باختبار اختراق ساعة Apple Watch، حيث قمت بتصميم دارة إلكترونية تساعدني في تنفيذ اختبارات ميدانية على الجهاز.

هذا المشروع فتح لي باب جديد اسمه Hardware Hacking، وتعلمت من خلاله الكثير عن تحليل الأجهزة من الداخل، قراءة المخططات، فهم البروتوكولات، ومحاولة التلاعب بها للوصول لنقاط الضعف.

تفاصيل المشروع مرفقة في هذه المدونة لمن أراد التعمق أكثر.

اليوم: من التحليل الفطري إلى التفكير المنهجي

اليوم، أعمل في مجال Cybersecurity، وأتعامل مع أنظمة ومشاريع متقدمة، لكن بنفس طريقة التفكير اللي بدأت فيها:

  • أحلل النظام ككل قبل ما أبدأ
  • أربط بين الأجزاء
  • أتوقع النتيجة بناءً على الفهم
  • وإذا غيرت شيء، أعرف وش لازم يتغير معه عشان النظام يستمر شغال

الفرق اليوم إن عندي الأدوات والعلم اللي يخليني أشتغل بشكل أسرع وأكثر احترافية. لكن جوهر الطريقة ما تغيّر.

خلاصة التجربة

رحلتي ما بدأت من التعليم، بل من فضول داخلي، تجربة، وربط مستمر بين الأشياء. من فك الألعاب، إلى تحليل الألعاب، إلى تعديل الأنظمة، إلى كتابة الكود — كل مرحلة كانت تمهّد للمرحلة اللي بعدها.
ما كنت أعرف المصطلحات، لكن كنت أشوف السلوك وأفهمه بطريقتي. واليوم، أنا أعيش النتيجة.

كنت أحب أتعلم أي شيء بسرعة، لأني دائمًا أشوف فرص كثيرة قدامي، خصوصًا لما بدأت أدمج المهارات اللي اكتسبتها مع الوقت.
أسئلتي المستمرة: “كيف الأشياء الصغيرة تشتغل مع بعض؟ وش علاقتها ببعض؟” — كانت هي الدافع الأكبر لفهمي الحقيقي للتقنية.

وتخصصي كمهندس حاسب آلي كان داعم قوي جدًا، لأني تعلمت فيه الجوانب العميقة من الحاسب: مثل الهاردوير، لغة Assembly، تصميم المعالجات، والمعماريات المختلفة. هذا الفهم العميق هو اللي ميّزني، وربطني بمستوى أعلى من تحليل الأنظمة وفهمها.

رسالتي: إذا كان عندك فضول أو أسئلة ما تلاقي لها إجابة — لا تتجاهلها. يمكن تكون هي بوابتك لعالم كامل من الفهم، والإبداع، والتطور.